الموقع الشخصي ليس سيرة ذاتية، بل مساحة لما يستحق أن يبقى

ما تعلّمته من بناء حضوري الرقمي: كيف أختار ما يستحق الاهتمام، وأستمر فيه، وأترك مساحة لما لم يكتمل بعد.

بقلم

· 7 دقائق قراءة

صورة غلاف مقال «الموقع الشخصي ليس سيرة ذاتية، بل مساحة لما يستحق أن يبقى»

كلما مضيت في العمل على موقعي الشخصي، أدركت أنني لا أصمم صفحات فحسب؛ بل أبني مساحة أشارك فيها كيف أعمل وكيف أفكر.

غالبًا ما نتعامل مع الموقع الشخصي بوصفه سيرة ذاتية أكثر أناقة: محطات مهنية، ومؤهلات، ومشروعات، وصور، ووسيلة للتواصل. لهذه العناصر قيمتها، لكنها لا تكشف كيف يفكر الإنسان، أو ما يشغل اهتمامه الآن، أو ما لا يزال يحاول فهمه.

هنا تظهر حدود السيرة الذاتية: فهي تسجل ما مضى من الطريق، ولا تترك مساحة كبيرة لما لم يكتمل بعد.

لهذا صرت أنظر إلى موقعي بطريقة مختلفة. أراه مساحة أرتّب فيها ما يشغلني: ما أحتفظ به، وما أشاركه، وما أعود إليه لاحقًا، وما يحتاج إلى مزيد من التفكير قبل أن يصبح متاحًا للناس.

ما يراه الزائر ليس كل الحكاية

يرى الزائر الواجهة: تعريفًا مختصرًا، وبعض الأفكار، ومقالًا أو صورة، وربما مسارًا مهنيًا.

لكن خلف هذه الواجهة عمل أكثر هدوءًا وأهمية. عليّ أن أحدد ما يستحق الظهور وما ينبغي أن يبقى خارجها، وأن أكتب بصدق من دون أن يتحول الموقع إلى قائمة إنجازات، وأن أصوغ الأفكار بالعربية والإنجليزية، وأن أنظم المسودات والصور والمقالات المنشورة، وألا أترك ما يستحق البقاء يضيع وسط التشتت.

وهذا الجانب غير المرئي يشبه نوع العمل الذي طالما جذبني في تجاربي المهنية. فمهما اختلفت الجهة أو القطاع، كنت أميل إلى ما يقوم عليه العمل من الداخل: كيف تُتخذ القرارات وتتحول إلى عمل، وكيف تُقدَّم الخدمات، وكيف تتصل المسؤوليات بعضها ببعض، وكيف يمكن جعل الأمور المعقدة أكثر وضوحًا.

تتغير البيئات، لكن الأسئلة الأساسية تبقى نفسها.

وللموقع الشخصي أيضًا عمل خفي يقوم عليه. فإذا اختل، ظهر أثره عاجلًا أو آجلًا فيما يراه الناس.

لكل أداة وظيفة

لدينا اليوم وسائل أكثر من أي وقت مضى لتدوين الأفكار ونشرها. يمكن حفظ الملاحظات فورًا، وتحويل النقاشات إلى مادة للبحث، والاستعانة بالذكاء الاصطناعي للنظر في سؤال من زوايا مختلفة، أو ترتيب الأفكار، أو تحسين مسودة أولى، أو إعداد نسختين عربية وإنجليزية. كما تتيح الخدمات السحابية حفظ قدر كبير من المواد قبل أن نقرر مكانها النهائي.

كل هذه الإمكانات مفيدة، لكنها قد تخلق نوعًا آخر من الفوضى.

المشكلة ليست في قلة الأدوات، بل في أن نعرف لماذا نستخدم كل أداة.

هل تساعدني على العثور على فكرة مهمة حين أحتاج إليها؟

هل تساعدني على التمييز بين خاطرة عابرة وفكرة تستحق أن تنمو؟

هل تسهّل العمل فعلًا، أم تضيف مكانًا جديدًا يتشتت فيه ذهني؟

صرت أميل أكثر فأكثر إلى أدوات وترتيبات بسيطة تؤدي غرضًا واضحًا؛ لا إلى أنظمة تُبنى للإبهار، ولا إلى تعقيد يُقدَّم بوصفه دليلًا على الجدية. يكفيني من التنظيم ما يساعد العمل الجيد على الاستمرار.

العمل الذي لا يراه أحد

لا يكون ما يراه الناس موثوقًا إلا إذا كان العمل خلفه كذلك.

لا ينبغي أن يختفي مقال لأن نظامًا تعطّل، ولا أن تضيع مسودة نافعة داخل محادثة عابرة، ولا أن تصبح صورة غير قابلة للاستخدام من دون أن ينتبه أحد. والأهم من ذلك كله: ألا يُنشر شيء عن غير قصد.

قد لا يكون هذا الجانب من بناء الموقع لافتًا للنظر، لكنه جزء من أخذ الموقع وما يُنشر فيه على محمل الجد.

هناك فرق بين جمع المادة والعناية بها. والعناية بها تحتاج إلى إيقاع واضح: أكتب، ثم أتوقف، وأراجع، وأعدّ، وأدقق، وأنشر، وأحفظ. هذا الإيقاع بسيط، لكنه يصنع الفرق بين أرشيف من شذرات لم تكتمل، وعمل متماسك يتراكم وينضج مع الوقت.

النشر قرار ومسؤولية

تستطيع التقنية أن تجعل النشر فوريًا، لكنها لا ينبغي أن تجعله تلقائيًا.

يمكن للأدوات أن تساعد في البحث، وتنظيم المادة، والصياغة، والإعداد للنشر. ويمكنها أن تخفف رهبة الصفحة البيضاء، وأن تكشف ما ينقص الفكرة، أو تقترح ترتيبًا أوضح لها.

لكن المقال يحمل اسم صاحبه، ويصبح جزءًا من الصورة التي تتكوّن لدى الآخرين عنه.

ولهذا أريد، قبل أن أنشر، أن أمنح نفسي لحظة أتوقف فيها أمام أسئلة بسيطة:

  • هل هذا صحيح؟
  • هل فيه فائدة؟
  • هل نضج بما يكفي؟
  • هل يشبهني فعلًا؟

هذه الأسئلة أهم من آلية النشر نفسها.

مسيرة تتشكّل، لا صورة نهائية

لا أريد لهذا الموقع أن يقدّمني كما لو أن رحلتي قد اكتملت؛ فهذا لا يعكس الحقيقة.

تنقلت في عملي بين مؤسسات وقطاعات مختلفة، وامتدت اهتماماتي من العمليات والاستراتيجية والاستثمار والتقنية إلى المؤسسات والتاريخ واللغة. وقد تبدو هذه المجالات متباعدة، لكنني أعود فيها دائمًا إلى أسئلة متقاربة: كيف يعمل النظام على أرض الواقع؟ أين يفرض تعقيدًا لا حاجة إليه؟ ما الذي يتيحه للناس؟ وكيف يصبح أنفع من دون أن يزداد تعقيدًا؟

يتغير السياق، ويبقى الفضول.

ولهذا أريد لهذا الموقع أن يظل مفتوحًا على التطور: يتسع لاهتمامات جديدة من دون أن يلغي ما سبقها، ويحافظ على خيط الاستمرارية من دون أن يفرض على كل مرحلة أن تشبه الأخرى.

آمل أن يكون هذا المكان مساحة لتأملات في القيادة، والخدمات المشتركة، والشركات الناشئة، والاستثمار، والتقنية، والأسئلة التي تربط بين هذه المجالات. وآمل كذلك أن يتيح لي التوقف قبل استعجال الإجابة، والربط بين تجارب لا يظهر ما يجمعها للوهلة الأولى، ومشاركة ما أتعلمه من دون أن أقدّم نفسي كما لو أنني وصلت إلى نهاية الطريق.

الموقع الشخصي ليس مجرد سيرة ذاتية منشورة على الإنترنت، بل مساحة لما يستحق أن يبقى.

وسيظل، كصاحبه، في طور التشكّل ما دام في العمر بقية.